محمد رأفت سعيد
106
تاريخ نزول القرآن الكريم
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان الوليد يقول : أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبى المغيرة نظير وكان يسمى بالوحيد فقال الله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) أي وحيدا بزعمه لا أن الله تعالى صدقه بأنه وحيد ، وذرني ومن خلقت وحيدا تهديد ووعيد لهذا المتكبر الذي حمله كبره على الكفر بالنعم والإيذاء لك وللمؤمنين ، ويرى مجاهد أن هذه الصفة تعنى كيف خلق وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد ، فأنعم الله عليه فكفر ، وقيل : الوحيد الذي لا يعرف أبوه ، وكان الوليد معروفا بأنه دعى كما جاء في تفسير قوله تعالى : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) [ القلم ] فهو في صفة الوليد أيضا « 1 » . فالإنذار باليوم الآخر والإنذار بتقديم النماذج البشرية الفاسدة وما توعد الله به هذه النماذج من أساليب التربية المبكرة مع نزول السور الأولى من سور التنزيل الكريم . لقد أشرنا إلى تقديم سورة المدثر لوجهين من وجوه الإنذار التي ينبغي أن يعرفها الناس ، الأول : التذكير باليوم العسير على الكافرين ، الثاني : تقديم نموذج للبشر يظهر ما منح من نعم كانت تقتضى التعرف على المنعم وتقديم الشكر له والاستجابة لأمره ونهيه ، ولكن حدث غير هذا ففصلت الآيات الكريمة مظاهر هذه النعم ، ومظاهر عناده ورتبت العقوبات الرادعة ، فيكون الإنذار بالخبر ، ويكون كذلك بمعاينة النماذج التي عاصرت نزول الوحي ، ويشاهدها الناس ويعرفونها معرفة يقينية فيقول الله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) فهو الوحيد - كما زعم - بمعنى ، خلقه الله وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد فأنعم الله عليه ، فكفر « 1 » . ومظاهر النعم التي يعرف بها ، المال والبنون ، فالمال جعله الله له ممدودا أي خوله وأعطاه مالا ممدودا يتمثل فيما كان له بين مكة والطائف من الإبل والخيل والنعم والجنان وتشير كلمة « ممدود » إلى ما لا ينقطع رزقه ، بل يتوالى كالزرع والضرع والتجارة . وأما البنون فجعل الله له البنين شهودا أي حضورا لا يغيبون عنه في تصرف . وفضلا عن ذلك بسط له في العيش بسطا حتى أقام ببلدته مترفا يرجع إلى رأيه . وهذا النموذج من البشر لا تجد لأطماعه حد فيطمع دائما في الزيادة على الرغم من موقفه المعاند للدعوة ، وكفره ، بل يذكر بعض المفسرين أن الطمع قد زاد إلى حد
--> ( 1 ) القرطبي 19 / 71 .